ابو القاسم عبد الكريم القشيري
58
لطائف الإشارات
السابقون مختلفون ؛ فمن سابق بصدق قدمه ، ومن سابق بصدق هممه . ويقال السابق من ساعدته القسمة بالتوفيق ، وأسعدته القضية بالتحقيق ، فسبقت له من اللّه رحمته . ويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له . ويقال جمع الرّضاء صفّيهم : السابق منهم واللاحق بهم ؛ قال تعالى : « وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ . . . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » . ويقال ليس اللاحق كالسابق ، فالسابق في روح الطلب ، واللاحق في مقاساة التعب ، ومعاناة النّصب ، وأنشدوا : السّباق السّباق قولا وفعلا * حذّروا النّفس حسرة المسبوق ويقال رضاهم عن اللّه قضية رضاء اللّه عنهم ؛ فلو لا أنه رضى عنهم في آزاله . . . فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه ؟ ! قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 101 ] وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( 101 ) تشاكل المخلص والمنافق في الصورة فلم يتميّز بالمباني ، وإن تنافيا في الحقائق والمعاني وتقاصر علمهم عن العرفان فهتك اللّه لنبيّه أستارهم . . فعرفهم ، وهم بإشرافه عليهم جاهلون ، وعلى الإقامة في أوطان نفاقهم مصروفون ، فلم ينفعهم طول إمهاله لهم .